حيدر حب الله
744
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الاطلاع على الظرف المحيط سنيا يتخذ طابعا خصوصيا « 1 » . إن نظرية البروجردي لا تتجه نحو البعد الثاني من تاريخية السنّة ألا وهو تاريخية السنّة الواقعية ، بل ناحية البعد الأول أي تاريخية فهم السنّة ، بمعنى ضرورة الدرس التاريخي المحيط بظروف صدور النص لفهم النص ذاته . وأهمية مقولة البروجردي تكمن في مساحتها الواسعة ، إذ يتوقع أن تترك تأثيرا ملحوظا على مجمل تفسير نصوص السنّة ، لأنها لا تقتصر على دائرة معينة من النصوص ، حتى لو كان سياق كلام البروجردي نفسه - فيما نقل عنه - خاصا بالفقه ، فإن غير الفقه قد لا يأبى عن أن تستوعبه هذه المقولة . لكن مع الأسف ، ما زلنا - رغم مرور قرابة نصف قرن على حركة البروجردي هذه - متأخرين للغاية عن درس الفقه السني ، والسنّة أكثر تأخرا من الشيعة على هذا الصعيد . ومثل هذه الفكرة - لكن على الصعيد النظري - ما يذكره الشهيد محمد باقر الصدر ، إذ يدرس في مباحث الظهور من علم أصول الفقه مسألة الظهور ، ويميز بين نوعين من الظهور : أحدهما الظهور الذاتي الذي يحصل للفرد عندما يطالع نصا ، وثانيهما الظهور الموضوعي ، أي ذاك المفهوم المستنتج من النص على مستوى الوعي الاجتماعي واللغوي العام لا الشخصي . ولكن الصدر يصطدم بمعضلة التطابق وعدم التطابق بين الظهور الموضوعي لعصرنا نحن قرّاء النصوص ، والظهور الموضوعي لعصر النص نفسه ، مؤكدا على معيارية الظهور الثاني . ولكي يحلّ الصدر المشكل هنا ، استخدم سبيل الأصوليين قبله دون أن يقدّم خطوة ميدانية جادة ، إذ تحدّث عن مثل أصالة الثبات في اللغة وأصالة التطابق وما شابه ذلك « 2 » ، وهي مفاهيم تمثّل معايير أصولية ربما تفيد في التنجيز والتعذير ، لكنها لا تلاحق - ميدانيا - عناصر السعي وراء تحديد الظهور الموضوعي عصر النص ، من غير نافذة ما أفهمه أنا اليوم من النص ، وبعبارة أخرى ، مقولة الصدر هي مقولة جميع العلماء في أن مركز الأمور هو النص نفسه يتلوه ظهوره الموضوعي العام في عصره ، ثم الظهور الموضوعي العام عصر القراءة ، ثم الظهور الشخصي لهذا القارئ أو ذاك ، هذا أنطولوجيا ، أما إيبستميا فإن الصدر ، وأكثر الأصوليين المسلمين ، ينطلقون بطريق معاكس تماما فيبدءون
--> ( 1 ) - راجع الشيخ محمد واعظزاده الخراساني ، الموسوعة الرجالية 1 : 33 - 34 ، المقدّمة : والسيد علي شفيعي ، مجموعة أعمال مؤتمر الزمان والمكان 4 : 288 - 289 . ( 2 ) - الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 1 : 276 - 280 ؛ وبحوث في علم الأصول 4 : 291 - 295 .